القائمة الرئيسية

الصفحات

عظمة الله في خلق الكون

الكون



إن التأمل في الكون الفسيح وما يحتويه من كواكب ونجوم ومجرات، وما يزخر به من ظواهر طبيعية مدهشة، يقودنا حتماً إلى استشعار عظمة الخالق سبحانه وتعالى. فالكون بكل ما فيه من تفاصيل دقيقة ونظام محكم، يشهد على قدرة الله وعلمه وحكمته التي لا حدود لها. إن خلق الكون ليس مجرد حدث عشوائي أو صدفة عمياء، بل هو دليل على وجود خالق عظيم، مدبر حكيم، أوجده من العدم وأتقن صنعه.

دقة النظام الكوني وعظمته

عندما يرفع الإنسان بصره إلى السماء، يرى النجوم والكواكب والمجرات تتحرك في مسارات محددة دون أدنى خلل أو اضطراب، وهذا دليل على دقة النظام الكوني الذي أوجده الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: "الشمس والقمر بحسبان" (الرحمن: 5)، أي أنهما يسيران وفق حسابٍ دقيقٍ لا يتقدم ولا يتأخر. ولو اختل هذا النظام لفسدت الحياة على الأرض، ولما وجد الإنسان البيئة المناسبة للحياة.
وقد أشار العلماء إلى أن الكون يتمدد منذ لحظة خلقه، وهذا ما أكده القرآن الكريم قبل قرونٍ عديدةٍ، حيث قال الله تعالى: "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون" (الذاريات: 47). وهذا التوسع المستمر للكون دليلٌ على عظمة الله، حيث أنشأ هذا الكون وفق قوانين دقيقة تحكمه، دون أي تدخل بشري.

التوازن الدقيق في الأرض

خلق الله الأرض بطريقة تجعلها صالحة للحياة، وجعل فيها توازناً دقيقاً بين الكائنات الحية والجمادات، بحيث يكمل كل منهما الآخر. فالهواء الذي نتنفسه يحتوي على الأكسجين الذي تحتاجه الكائنات الحية، بينما تطلق النباتات ثاني أكسيد الكربون في عملية متكاملة تحافظ على الحياة. ولو زاد أو نقص أي من هذه الغازات، لاختل النظام البيئي وأصبحت الحياة مستحيلة.
إضافة إلى ذلك، فإن موقع الأرض في المجموعة الشمسية مصمم بعناية تامة، فهي تقع في منطقة "النطاق الصالح للحياة"، حيث لا هي قريبة جداً من الشمس فتحترق، ولا هي بعيدة جداً فتموت من شدة البرودة. وهذا كله يدل على التخطيط الإلهي المحكم، قال تعالى: "ألم نجعل الأرض مهادا" (النبأ: 6).

الإعجاز في خلق الإنسان

إن من أعظم دلائل عظمة الله في خلقه هو الإنسان نفسه، ذلك المخلوق الذي فضّله الله على كثيرٍ من المخلوقات، ومنحه العقل والإدراك. يقول الله تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" (الذاريات: 21)، أي أن الإنسان لو تفكر في نفسه لاكتشف مدى عظمة خلق الله.
يحتوي جسم الإنسان على أجهزة تعمل بتناغم مذهل، مثل الجهاز العصبي الذي ينقل الإشارات بسرعة تفوق سرعة الضوء، والجهاز القلبي الذي يضخ الدم إلى كافة أنحاء الجسم دون توقف، والجهاز المناعي الذي يدافع عن الجسم ضد الأمراض. كما أن الدماغ البشري يتمتع بقدرةٍ هائلةٍ على التفكير، والتذكر، والتحليل، وهو أعقد جهازٍ عرفه العلم الحديث.
ومن عجائب خلق الإنسان أن كل خلية في جسده تحتوي على شفرة وراثية (DNA) تحمل المعلومات الخاصة به، وهذه الشفرة لو تم تفكيكها وترتيبها لملأت آلاف الكتب، مما يدل على الإتقان الإلهي العظيم.

التنوع في الخلق

من مظاهر عظمة الله أيضاً التنوع الهائل في مخلوقاته. فكل كوكب ونجم ومجرة له خصائص فريدة تختلف عن الآخر. ففي مجرتنا وحدها، درب التبانة، هناك مئات المليارات من النجوم، ولكل منها نظامه الخاص. وهناك كواكب مختلفة الأحجام والأشكال والتركيبات، بعضها صخري وبعضها غازي، وبعضها يصلح للحياة وبعضها لا يصلح.
وهذا التنوع ليس مقتصراً على الأجرام السماوية فقط، بل يشمل أيضاً الكائنات الحية على الأرض. فالله خلق ملايين الأنواع من الكائنات، كل منها له وظيفته ودوره في النظام البيئي. يقول الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ" (الروم: 22). فالتنوع في الخلق هو آية من آيات الله تدل على قدرته وحكمته.

التفكر في عظمة الله سبيل إلى الإيمان

لقد أمرنا الله بالتفكر في خلقه، لأن ذلك يقود إلى زيادة الإيمان ويملأ القلب خشوعًا وخضوعًا للخالق، قال تعالى: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" (آل عمران: 190). وكلما تأمل الإنسان في الكون، كلما أدرك مدى ضعفه أمام هذه العظمة الإلهية.
وقد كان العلماء المسلمون الأوائل يدرسون الظواهر الكونية ويستدلون بها على وجود الله، لأن العلوم الحقيقية لا تتعارض مع الإيمان، بل تقوده إلى معرفة الخالق أكثر. وقد قال الإمام الشافعي: "كلما ازددت علماً، أيقنت بجهلي، وكلما ازددت علماً، ازددت يقيناً بعظمة الله".

الإعجاز العلمي في القرآن

القرآن الكريم مليء بالإشارات العلمية التي تدل على عظمة الله في خلق الكون. فقبل أن يكتشف العلم الحديث هذه الحقائق بقرون، ذكرها القرآن بشكل دقيق. على سبيل المثال، يقول الله تعالى: "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ" (الذاريات: 7). وقد فسر العلماء "الحُبُك" بأنها الطرق أو الخطوط التي تظهر في السماء بسبب حركة النجوم والمجرات، وهو ما يتوافق مع الصور الحديثة للكون التي تظهر هذه الخطوط بوضوح.
كذلك، يقول الله تعالى: "وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (الأنبياء: 33). هذه الآية تشير إلى أن كل جرم سماوي يسبح في مداره الخاص، وهو ما أثبته العلم الحديث. فالكواكب تدور حول النجوم، والنجوم تدور حول مركز المجرة، والمجرات تدور في الكون الفسيح. كل هذه الحركات محكومة بقوانين فيزيائية دقيقة وضعها الله تعالى.

إن التأمل في خلق الكون يؤدي إلى يقين راسخ بعظمة الله، فهو الذي خلق كل شيء بقدرٍ معلوم، وأودع فيه أسرارًا لا تنتهي. ومن واجب الإنسان أن يشكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأن يتدبر في آياته الكونية، فيزداد خشوعًا وخضوعًا، ويسير في حياته وفق هدي الله، لينال رضاه في الدنيا والآخرة.
فالتأمل في خلق الكون ليس فقط وسيلة للتعرف على عظمة الله، بل هو أيضاً طريق لتعزيز الإيمان والشعور بالتواضع أمام قدرة الخالق.
فسبحان الله الذي خلق فأبدع، وسبحان الله الذي أتقن كل شيء خلقه.

تعليقات